جري
هذا السفر أيضاً في أواخر شهر ذي القعدة الحرام، واستمرّ إلي ما بعد العشرة
الثانية من محرّم، قدّر الباري المنّان فيه زيارة أبي عبد الله الحسين
سـيّد الشـهداء عليه السلام في عرفة وفي الايّام العشـرة من محرّم ويوم
عاشوراء، وزيارة والده العظيم أمير المؤمنين عليه السلام يوم العيد السعيد
لغدير خمّ، ثمّ زيارة الكاظمين عليهما السلام وأئمّة سامرّاء عليهم السلام.
وخلال أيّام
توقّف الحقير في كربلاء، لقد قدم إليها، سماحة آية الله الحاجّ السيّد مصطفي
الخمينيّ رحمة الله عليه عدّة مرّات قادماً من النجف للتشرّف بالزيارة،
وكان يأتي إلي منزل سماحة السيّد. وكان للحقير مع ذلك المرحوم سابق
المودّة، لذا فقد كانت لي معه في هذا المنزل لقاءات عديدة ومحادثات طويلة
ومفيدة نسبيّاً.
وكان من
جملة الذين تشرّفوا بالمجيء من النجف إلي كربلاء وقدموا إلي بيت السيّد
عدّة مرّات وكانت لديهم أسئلة ومذاكرات، سماحة آية الله الصديق العزيز
الحاجّ السيّد عبد الكريم الكشميريّ دامت معاليه، وكانت تلك المجالس غنيمة
للحقير هي الاُخري.
ومن بين
الذين تردّدوا في هذا السفر عدّة مرّات، بل تكراراً ومراراً، علي منزل
السيّد: رفيقنا الصديق الحميم وصاحبنا الشفيق القديم العزيز سماحة آية الله
المرحوم الشهيد السيّد عبد الحسين دستغيب الشيرازيّ رحمة الله تعالي عليه،
وكان قد تشرّف بالقدوم من شيراز لزيارة العتبات المقدّسة تلك الايّام. وقد
رافقت سماحة السيّد الحدّاد مرّة إلي فندق كربلاء، حيث ذهبنا إلي زيارته،
وكانت علاقته مع سماحة السيّد قد توطّدت منذ زمن طويل، واستمرّت علاقات
المودّة والصفاء بينهما علي الدوام.
وكانت حالات
السيّد في هذا السفر قويّة جدّاً، أي أنّ مقامات التوحيد ومراتبه كانت
مستقرّة في باطنه، متمكّنة في نفسه، فندر أن تظهر لها بروزات وظهورات
خارجيّة.
وكان في هذا
السفر كثير الاشتغال في مطالعة كتاب « الفتوحات المكّيّة » لمحيي الدين
بن عربي، لا للاسـتفادة منه، بل لمطابقة محتوياته مع حالاته؛ فكان
يمـرّ علي بعضـه مـرّ الكرام، وحيـن كان لا يـري في موضوع ما إشكالاً فقد
كان يتعدّاه إلي غيره، وكان ذلك هو الغالب.
لكنّه لوحظ
وهو يعترض عليه أحياناً حين يكون الامر غير مقبول لديه، ولم يكن آنذاك
ليتعدّي هذا المطلب بسهولة، بل كان يتأخّر أيّاماً لمقارنة مطلب الكتاب مع
وارداته الحاليّة، قبل اتّخاذ قرار برفض ذلك المطلب أو إمضائه وإقراره.
وكان من
بين المطالب التي كانت مقبولة لديه تلك الايّام والتي كان يمتدحها ـ
التي كانت مكشوفة لديه هو الآخر حقيقة وهي أنّ حقيقة جميع القوي نور، وأنّ
النور أمر واحد قد اتّخذ لنفسه أسماء مختلفة بحسب الموارد والعوالم؛ وكما أورد
محيي الدين:
وَاعْلَمْ
أَيَّدَكَ اللَهُ أَنَّ الاَمْرَ يُعْطَي أَ نَّه لَوْلاَ النُّورُ مَا أُدْرِكَ
شَيءٌ، لاَ مَعْلُومٌ وَلاَ مَحْسُوسٌ وَلاَ مُتَخَيَّلٌ أَصْلاً. وَتَخْتَلِفُ
عَلَي النُّورِ الاَسْمَاءُ المَوْضُوعَةُ لِلْقُوَي. فَهِيَ عِنْدَ العَامَّةِ
أَسْمَاءٌ لِلْقُوَي. وَعِنْدَ العَارِفِينَ أَسْمَاءٌ لِلنُّورِ المُدْرِكِ بِهِ.
فَإذَا
أَدْرَكْتَ المَسْمُوعَاتِ سَمَّيْتَ ذَلِكَ النَّورَ سَمْعاً، وَإذَا أَدْرَكْتَ
المُبْصَرَاتِ سَمَّيْتَ ذَلِكَ النُّورَ بَصَراً، وَإذَا أَدْرَكْتَ
المَلْمُوسَاتِ سَمَّيْتَ ذَلِكَ المُدْرَكَ بِهِ لَمْساً؛ وَهَكَذَا
المُتَخَيَّلاَتُ.[169]
فَهُوَ
القُوَّةُ اللاَّمِسَةُ لَيْسَ غَيْرَهُ، وَالشَّامَّةُ وَالذَّائِقَةُ
وَالمُتَخَيِّلَةُ وَالحَافِظَةُ وَالعَاقِلَةُ وَالمُفَكِّرَةُ وَالمُصَوِّرَةُ.
وَكُلُّ مَا يَقَعُ بِهِ إدْرَاكٌ فَلَيْسَ إلاَّ النُّورَ» إلی آخِرُ مَا
أَفَادَهُ.
ويمكن لمس
هذا المطلب أيضاً من هذه الفقرة في دعاء كميل: وَبِنُورِ وَجْهِكَ
الَّذِي أَضَاءَ لَهُ كُلُّ شَيءٍ. الذي بُيّنت فيه قاعدة الوحدة في
كثرة الاسماء والصفات الإلهيّة.
ونقرأ في
دعاء الجوشن الكبير، الفقرة 47:
يَا نُورَ
النُّورِ! يَا مُنَوِّرَ النُّورِ! يَا خَالِقَ النُّورِ! يَا مُدَبِّرَ النُّورِ!
يَا مُقَدِّرَ النُّورِ! يَا نُورَ كُلِّ نُورٍ! يَا نُوراً قَبْلَ كُلِّ نُورٍ!
يَا نُوراً بَعْدَ كُلِّ نُورٍ! يَا نُوراً فَوقَ كُلِّ نُورٍ! يَا نُوراً لَيْسَ
كَمِثْلِهِ نُورٌ!
وفي
آية النور المباركة:
اللَهُ
نُورُ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَو'ةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ،
حتّي يصل إلي قوله: نُورٌ عَلَي' نُورٍ يَهْدِي اللَهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَا´ءُ
[170]، حيث يمكن منها استفادة
جميع مراحل النور في شبكات عالم الإمكان باختلاف درجاتها، وصولاً إلي النور
القاهر لتجلّي الجلال، الذي إذا ظهر قضي علي وجود السالك وجعله في الفَناء
والاندكاك المحض:
وَبِنُورِكَ
الَّذِي قَدْ خَرَّ مِنْ فَزَعِهِ طُورُ سَيْنَاءَ[171]...
وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ لِلْجَبَلِ فَجَعَلْتَهُ دَكّاً
وَخَرَّ مُوسَي صَعِقاً.[172]
وعليه،
فإنّ مقام التوحيد المحض هذا هو أعلي درجات النور وأسمي رُتبه، كما قد كتب
المرحوم الحاجّ السيّد هاشم في رسالة صغيرة لاحد أصدقائه هذه العبارة فقط:
بِسْمِ
اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
التَّوحِيدُ نُورٌ، وَالشِّرْكُ نَارٌ. التَّوحِيدُ يُحْرِقُ جَمِيعَ سَيِّئَاتِ
المُوَحِّدِينَ؛ وَالشِّرْكُ نَارٌ يُحْرِقُ جَمِيعَ حَسَنَاتِ المُشْرِكِينَ.
وَالسَّلاَمُ
[173].
خَاتِمَةٌ:
إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي كَلاَمٌ فِي هَذَا المَقَامِ لِلشَّيْخِ العَارِفِ
الكَامِلِ الشَّيْخِ مُحْيِيِ الدِّينِ بْنِ عَرَبِيِّ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ:
«الفُتُوحَاتِ المَكِّيَّةِ».
قَالَ
رَحْمَةُ اللَهِ عَلَیهِ فِي البَابِ الثَّلاثْمِائَةِ وَالسِّتِّ وَالسِّتِّينَ
مِنَ الكِتَابِ المَذْكُور:
إنَّ
لِلَّهِ خَلِيفَةً يَخْرُجُ، مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ
] وَآلِهِ [ وَسَلَّمَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ ]
عَلَیهَا السَّـلاَمُ [، يُوَاطِـيُ اسْـمُهُ اسْـمَ رَسُـولِ اللَهِ صَلَّي
اللَهُ عَلَیهِ ] وَآلِهِ [ وَسَلَّمَ جَدُّهُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ] عَلَیهِ
السَّلاَمُ [، يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ. يُشْبِهُ رَسُولَ اللَهِ
صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ ] وَآلِهِ [ وَسَلَّمَ فِي الخَلْقِ ـ بِفَتْحِ الخَاءِ
وَيَنْزِلُ عَنْهُ فِي الخُلْقِ ـ بِضَمِّ الخَاءِ.
أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ الكُوفَةِ. يَعِيشُ خَمْساً أَوْ سَبْعاً أَوْ
تِسْعاً.
يَضَعُ الجِزْيَةُ، وَيَدْعُو إلی اللَهِ بِالسَّيْفِ. وَيَرْفَعُ المَذَاهِبَ
عَنِ الاَرْضِ. فَلاَ يَبْقَي إلاَّ الدِّينُ الخَالِصُ.
أَعْدَاؤُهُ مُقَلِّدَةُ العُلَمَاءِ أَهْلِ الاجْتِهَادِ، وَلِمَا يَرَوْنَهُ
يَحْكُمُ بِخِلاَفِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَئِمَّتُهُمْ؛ فَيَدْخُلُونَ كُرْهاً
تَحْتَ حُكْمِهِ خَوْفاً مِنْ سَيْفِهِ.
يَفْرَحُ بِهِ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ خَوَاصِّهِمْ. يُبَايِعُهُ
العَارِفُونَ مِنْ أَهْلِ الحَقَائِق عَنْ شُهُودٍ وكَشْفٍ بِتَعْرِيفٍ إلَهيٍّ.
لَهُ رِجَالٌ إلَهِيُّونَ يُقِيمُونَ دَعْوَتَهُ وَيَنْصُرُونَهُ. وَلَوْلاَ أَنَّ
السَّيْفَ بِيَدِهِ لاَفَتْيَ الفُقَهَاءُ بقَتْلِهِ. وَلَكِنَّ اللَهَ يُظْهِرُهُ
بِالسَّيْفِ وَالكَرَمِ. فَيَطْمَعُونَ وَيَخَافُونَ. وَيَقْبَلُونَ حُكْمَهُ مِنْ
غَيْرِ إيمَانٍ وَيُضْمِرُونَ خِلاَفَهُ، وَيَعْتَقِدُونَ فِيِه إذَا حَكَمَ
فِيهِمْ بِغَيْرِ مَذْهَبِ أَئِمَّتِهِمْ أَ نَّهُ عَلَي ضَلاَلٍ فِي ذَلِك. لاَ
نَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَهْلَ الاجْتِهَادِ وَزَمَانِهِ قَـدِ انْقَطَـعَ
وَمَا بَقِيَ مُجْتَهِدٌ فِي العَالَمِ؛ وَأَنَّ اللَهَ لاَ يُوجِدُ بَعْدَ
أَئِمَّتِهِمْ أَحَداً لَهُ دَرَجَةُ الاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا مَن يَدَّعِي التَّعْرِيفَ الإلَهِيَّ بِالاَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ
فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَجْنُونٌ فَاسِدُ الخَيَالِ انْتَهَي كَلاَمُهُ.
[174]
فَتَأَمَّلْهُ بِعَيْنِ البَصِيَرةِ، وَتَنَاوَلْهُ بِيَدٍ غَيْرِ قَصِيرَةٍ؛
خُصُوصاً قَوْلَهُ: «إنَّ لِلَّهِ خَلِيفَةً»، وَقَوْلَهُ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ
أَهْلُ الكُوفَةِ»، وَقَوْلَهُ: «أَعْداؤُهُ مُقَلِّدَةُ العُلَمَاءِ أَهْلِ
الاجْتِهَادِ»، وَقَوْلَهُ: «لاَ نَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَهْلَ الاجْتِهَادِ
وَزَمَانَهُ قَدِ انْقَطَعَ» إلی آخِرِ كَلاَمِهِ؛ عَسَي أَنْ تَطَّلِعَ عَلَي
مَرَامِهِ، وَالَلُهَ وَلِيُّ التَّوفِيقِ.
[175][176]
أقول: ما ذكره المرحوم الشيخ بهاء الدين العامليّ هنا، موجود في «
الفتوحات المكّيّة » ج 3، ص 327 الباب 366، طبعة دار الكتب العربيّة
الكبري، مصر، في أربعة أجزاء؛ وذلك إلي عبارة: يُقِيمُونَ دَعْوَتَهُ
وَيَنْصُرُونَهُ وقد ذُكرت باقي العبارات في ص 336، في نفس الباب، من
السطر 7 إلي 13 بشكل متفرّق؛ وعليه فإنّ مطالب الشيخ بهاء الدين بهذه
الصورة الكاملة هي ملتقطات من كلام محيي الدين في جميع هذا الباب.
والنكتة الاُخري هي أ نّه ذكر اسم الإمام المهديّ حيثما ورد في «
الفتوحات » (طبعة بولاق، في ستّة أجزاء) وكذلك في « اليواقيت » للشعرانيّ
فعدّه من أولاد الحسـين بن عليّ بن أبي طالب وقال: « وَجَـدُّهُ
الحُسَـيْن ». لكنّ الطبعة التي طبعتها دار الكتب العربيّة (في أربعة أجزاء)
أوردت اسم أبيه: الحسن بن عليّ بن أبي طالب؛ ومن الجليّ أنّ هذا خطأ
مطبعيّ.
وقد عدّ الكثير من أعلام الشيعة عبارة الشيخ محيي الدين هذه دليلاً علي
تشيّعه، لا نّها نفس معتقدات الشيعة.
أضف إلي ذلك المطالب الاُخري الواردة في « الفتوحات » بشأن القياس،
وقوله: « وأما القياس فلا أقول به ».
أقول: لا يوجد أبداً بين العامّة من لا يعمل بالقياس، وأبو حنيفة
غاطس في القياس من رأسه إلي أخمص قدميه. ولقد كان محيي الدين بن عربي
حسب الظاهر مالكيّ المذهب[177]،
ومالك هو الآخر يعمل بالقياس، ولكن بدرجة أقلّ من أبي حنيفة.
بَيدَ أنّ هناك بين العامّة من يقترب من الشيعة في عدم العمل بالقياس،
وهو الشافعيّ. فإنّه يكاد يعتبر: تنقيح المناط القطعيّ حجّة، كما نعدّه
حجّة، ولا يعمل بالقياس مع أ نّه يختلف في مبانيه الفقهيّة مع الشيعة.
وكان سماحة الحاجّ السيّد هاشم يمتدح أيضاً هذه الجملة الواردة عن محيي
الدين في قوله: وَأَمَّا القِيَاسُ فَـلاَ أَقُـولُ بِهِ، وَلاَ أُقَلِّـدُ
فِـيـهِ جُمْلَـةً وَاحِدَةً.
وقد
أورد الملاّ السيّد صالح الخلخاليّ الموسويّ، وهو من التلامذة
البارزين للسيّد الميرزا أبي الحسن جلوه الإصفهانيّ في كتابه باسم «
شرح مناقب محيي الدين بن عربي » بياناً عن المحدِّث النيسابوريّ في
تشيّع محيي الديـن، حيث ذكـر من بين الادلّة علي تشـيّـعـه مخالفته
للقيـاس؛ وعبارة الشارح هي:
ومن بين الدلائل التي أوردها المحدِّث النيسابوريّ والحاكية عن صراحة
تشيّعه هذه العبارة:
قوله في الباب الثامن عشر وثلاثمائة ما لفظه:... فَمَا ثَمَّةَ شَارِعٌ
إلاَّ اللَهُ. قَالَ اللَهُ تَعَالَي لِنَبِيِّهِ: «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
بِمَا´ أَرَاكَ اللَهُ[178]»،
وَلَمْ يَقْلُ لَهُ بِمَا رَأَيْتَ. بَلْ عَاتَبَهُ سُبْحَانَهُ لِمَا حَرَّمَ
عَلَي نَفْسِهِ بِاليَمِينِ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِقَوْلِهِ جَلَّ
وَعلاَ: «يَـ'´أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَهُ لَكَ
تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَ جِكَ[179]».
وَكَانَ هَذَا مِمَّا أَرَتْهُ نَفْسُهُ فَلَوْ كَانَ هَذَا الدِّينُ
بِالرَّأْيِ لَكَانَ رَأْيُ النَّبِيِّ أَوْلَي مِنْ رَأْيِ مَنْ لَيْسَ
بِمَعْصُومٍ ـ إلی أَنْ قَالَ فِي بَابٍ آخَرَ مِنْهُ:[180]
لاَ يَجُوزُ أَن يُدَانَ اللَهُ بِالرَّأْي. وَهُوَ القَوْلُ بِغَيرِ حُجَّةٍ
وَبُرْهَانٍ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ وَلاَ إجْمَاعٍ. وَأَمَّا القِيَاسُ فَلاَ
أَقُولُ بِهِ وَلاَ أُقَلِّدُ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً. فَمَا أَوْجَبَ اللَهُ
عَلَینَا الاَخْذَ بِقَوْلِ أَحَدٍ غَيْرِ رَسْولِ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ
وَآلِهِ.
[181]
ثمّ يقول الشارح هنا: وأمّا دلالة هذه العبارة علي تشيّعه كما تصوّر
المحدِّث النيسابوريّ فهي أنّ علماء السنّة اعتبروا في إجراء الاحكام
الشرعيّة، دليل القياس برهاناً مستقلاّ مقابل الكتاب والسنّة، وعدّوا العمل
بمقتضاه متّبعاً.
وباعتبار مخالفة عقيدة الشيخ لاعتقاد علماء الجماعة، فقد أنكر هذا المعني
بشدّة، بقوله: « فلو كان هذا الدِّين بالرأي لكان رأي النبيّ أولي، لانّ
له مقام ومنزلة العصمة... ومن المؤكّد أنّ رأيه الشريف معصوم من
وعموماً فقد قال الكثير من العلماء الاعلام بتشيّع محيي الدين،
وأثبتوا هذا الامر بطرق عديدة.
وللملاّ السيّد صالح الموسويّ الخلخاليّ قدّس الله سرّه بيان جميل ومفصّل
في مقدِّمة كتابه « شرح مناقب » التي خصّصها تقريباً لهذا الامر، يقول فيها:
ولد محيي الدين في شهر رمضان المبارك لسنة 560 ه. ق في مدينة
مُرْسِيَة، وهي من المدن الشرقيّة لجزر الاندلس[183]،
وارتحل في العاشر من شهر رمضان المبارك لسنة 638 ه[184].
ق، ودُفن في ظاهر دمشق[185]
في المحلّ المعروف بالصالحيّة. ثمّ يحكي الملاّ صالح عن أُستاذه
المرحوم الحكيم جلوه أ نّه قال: لقد قال الملاّ الروميّ هذا البيت من
الشعر حين كان مشغولاً عند قبر الشيخ بالرياضة والاستفاضات الروحيّة:
اندر جبل صالحه كاني است ز گوهر زان است كه ما غرقة درياي دمشقيم
[186]
ولقد كتب محيي الدين « الفتوحات المكّيّة » في مكّة، ثمّ قَدِم
إلي دمشق؛ وكان جمع من رؤساء مشايخ الطريقة آنذاك قد جعلوا مدينة دمشق
مقرّاً لإقامتهم، مثل الشيخ سعد الدين الحمويّ و الشيخ عثمان
الروميّ و أوحد الدين الكرمانيّ و جلال الدين محمّد الروميّ
صاحب « المثنويّ »، فكانوا جليسي خلوة الشيخ الكامل وأنيسي وحدته.
وقد أ لَّف الشيخ كتاب «فصوص الحكم» وهو من كتبه النفيسة أيّام
إقامته في دمشق حسب أمر خاتم الانبياء صلوات الله وسلامه عليه.
[187]
ويصرّ علي إثبات تشيّع الشيخ أشخاص أمثال ابن فَهْد الحلّيّ و
الشـيخ البهائيّ و المحقّق الفيض الكاشـانيّ و المرحوم
المجلسـيّ الاوّل و القاضي نور الله التستريّ، و المحدِّث
النيسابوريّ وغيرهم.
يقول الفاضل المعاصر في كتاب « الروضات »:
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ الحَاتِمِيُّ الإشْبِيلِيُّ
الاَنْدُلُسِيُّ ثُمَّ المَكِّيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ المُلَقَّبُ مُحْيِي
الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ؛ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ سِلْسِلَةِ العُرَفَاءِ
وَأَقْطَابِ أَرْبَابِ المُكَاشَفَةِ وَالصَّفَاءِ مُمَاثِلاً وَمُعَاصِراً
لِلشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الحَسَنِيِّ الجِيلاَنِيِّ المُشْتَهِرِ قَبْرُهُ
بِبَغْدَادَ، بَلْ جَمَاعَةٍ أُخْرَي مِنْ كِبَارِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ
المُنْتَشِرِ ذِكْرُهُمْ فِي البِلاَدِ؛ إلاَّ أَنَّ القَائِلَ بِكَوْنِهِ مِنْ
جُمْلَةِ الشِّيعَةِ الإمَامِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مَوْجُودٌ بِخِلاَفِ
أُولئِكَ الجُنُودِ.
[188]
ويقول المحدِّث النيسابوريّ في كتاب رجاله الكبير:... ظَاهِرُ
تَصَانِيفِهِ عَلَي مَذْهَبِ العَامَّةِ لاَ نَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ شَدِيدٍ،
وَقَدْ أَخْرَجْنَا عِبَارَاتِهِ النَّاصَّةَ عَلَي خَصَائِصِ مَذْهَبِ
الإمَامِيَّةِ الاثْنَي عَشَرِيَّةِ فِي كِتَابِ «مِيزَانِ التَّمْيِيزِ فِي
العِلْمِ العَزِيزِ» انتهي.[189]
ويقول المحدِّث السيّد الجزائريّ بعد نقل عبارته المذكورة في « الفتوحات »
بشـأن صـاحب الزمـان: وَهُوَ كَلاَمٌ أَنِيـقٌ، بَلْ رُبَّمَـا لاَحَ مِنْهُ
حُسْنُ الاعْتِقَادِ وَالرَّدُّ عَلَي أَهْلِ الرَّأْي وَالقِيَاسِ كَأَبِي
حَنِيفَةَ وَأَضْرَابِهِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَ نَّهُ كَلاَمُ خَالٍ عَنِ
التَّعَصُّبِ وَإنْ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلاَ كَلاَم.
[190]
وقد روي صاحب « الروضات » هذه الاشعار عن كتاب وصاياه وأسندها إليه:
وَصَّي الإلَهُ وَوَصَّتْ رُسْلُهُ فَلِذَا كَانَ التَّأَسِّي بِهِمْ مِنْ
أَفْضَلِ العَمَلِ
لَوْلاَ الوَصِيَّةُ كَانَ الخَلْقُ فِي عَمَهٍ وَبِالوَصِيَّةِ دَامَ المُلْكُ
فِي الدُّوَلِ
فاعْمِدْ إلَيْهَا وَلاَ تُهْمِلْ طَرِيقَتَهَا إنَّ الوَصِيَّةَ حُكْمُ اللَهِ
فِي الاَزَلِ
[191]
وحاصل القصد: أنّ الله تعالي شأنه قد عيّن الخلافة في عالم الناسوت
لإجراء النواميس الإلهيّة، وذلك بقوله تعالي: إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الاْرْضِ خَلِيفَةً.
[192]
وقد عيّن لكلِّ من سائر الانبياء المرسلين وصيّاً يخلف النبيّ لتكميل
الشريعة وحفظها؛ ولو لم تكن التوصية هي طريقة الانبياء منذ الِقدَم، لا´لَ
أمر جميع الناس إلي الحيرة والضلال.
وهذه الاشعار الناضجة التي كانت من نسج خاطره، قد كشفت عن حسن ضميره
وصفاء نيّته؛ وذلك لانّ عقيدة علماء السنّة هي عدم وجوب تعيين وصيّ للّه
ونبيّه. فقد أظهر تلويحاً بحسن طويّته وصفاء عقيدته في هذه الاشعار النضرة،
وعرّض بمخالفة طريقة الجماعة.
أورد القاضي نور الله التستريّ في كتاب « المجالس » في ترجمته:
أَوْحَدُ المُوَحِّدِينَ مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ
العَرَبِيُّ الطَّائِيُّ الحَاتِمِيُّ الاَنْدُلُسِيُّ، انحدر من عائلة
الفضل والجود، وارتقي من حضيض التعلّقات والقيود إلي أوج الإطلاق والشهود.
تصل نسبة خرقته بواسطة واحدة إلي الخضر علي نبيّنا وعليه السلام.
والخضر حسب تصريح مولانا قطب الدين الانصاريّ صاحب « المكاتيب » هو خليفة
الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام.
روي الشيخ أبو الفتوح الرازيّ في تفسير هذه الآية: قَالَ
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الاْرْضِ
[193]، أنّ الخضر قال لبعض العرفاء الواصلين: أنا من موالي
عليّ ومن جملة الموكّلين بشيعته.
وقد سمع من بعض الدراويش من سلسلة النوربخشيّة أنّ كلّ مَن أظهر ملاقاته
للخضر من مشايخ الصوفيّة أو نسب خرقته إليه فقد أخبر في الحقيقة عن
التزامه مذهب الشيعة، ولوّح بعقيدته في باب الإمامة.
وكلام الشيخ في « الفتوحات » علي الوجه الذي ذُكر، صريح في
اعتقاده بإمامة ووصاية الائمّة الاثني عشر لسيّد البشر صلوات الله
عليهم.
ولقد أومأ بدقّة إلي حديث المنزلة تحت عنوان فَصّ هارونيّ
من كتاب «الفصوص». وقد أعرض في رسالته المشهودة عن ذكر إيمانه
بإمامة الخلفاء، ونوّه بلطف إلي وجوب الاعتقاد بالاُمور الواقعة في يوم
الغدير ومن جملتها تعيين خلافة الامير عليه السلام، حتّي يصل إلي قوله:
وَوَقَفَ فِي حِجَّةِ وَدَاعِهِ عَلَي كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَتْبَاعِهِ،
فَخَطَبَ وَذَكَرَ وَخَوَّفَ وَحَذَّرَ وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ إلي أن قال:
هَلْ بَلَّغْتُ؟! فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا رَسُولَ اللَهِ! فَقَالَ: اللَهُمَّ
اشْهَدْ!
ويقول
كذلك: إنّ جناب غوث المتأخِّرين السيّد محمّد نور بخش نوّر الله
مرقده، الذي كان جامعاً للعلوم الظاهريّة والباطنيّة، قد أكّد صحّة عقيدة
الشيخ علي أكمل وجه وأتمّه؛ كما أسند إليه القاضي التستريّ هذه الاشعار:
رَأَيتُ وَلاَئِي آل طَه وَسِيلَةً لاِرْغِمَ أَهْلَ البُعْدِ يُورِثُنِي
القُرْبَي
فَمَا طَلَبَ المَبْعُوثُ أَجْراً عَلَي الهُدَي بِتَبْلِيغِهِ إلاَّ
المَوَدَّةَ فِي القُرْبَي
[194]
يقول مُطَرِّزُ الاوراق: إنّ عبارة الفصّ الهارونيّ التي بشّر القاضي
التستريّ من إشارتها بتشيّعه هي: فَصُّ حِكْمَةٍ إمَامِيَّةٍ فِي كَلِمَةٍ
هَارُوِنيَّةٍ.
ويلزم
لبيان إشعار هذه العبارة بحديث المنزلة أن نورد شرحاً مبسوطاً لذلك. ينبغي
العلم أنّ: حديث المنزلة من الاحاديث المستفيضة، وهو عند البعض من
الاحاديث المتواترة؛ فقد روي كلّ من جماعة الشيعة والسنّة ذلك الحديث
الشريف علي وجه خاصّ.
فقد رواه جمال الدين يوسف سبط أبي الفرج الجوزيّ، وهو من فضلاء
أهل السنّة والجماعة، عن أحمد بن حنبل أحد الائمّة الاربعة لتلك الجماعة
بهذه الكيفيّة:
قَالَ: آخَي رَسُولُ اللَهِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالاَنْصَارِ. فَبَكَي
عَلِيٌّ عَلَیهِ السَّلاَمُ. قَالَ رَسُولُ اللَهِ: مَا يُبْكِيكَ؟!
فَقَالَ: لَمْ تُوَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ! فَقَالَ: إنَّمَا ادَّخَرْتُكَ
لِنَفْسِي؛ ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ
مُوسَي!
وروي
محمّد بن ] محمّد بن [ النعمان المعروف بالشيخ المفيد أعلي
الله مقامه والمشهور بابن المعلم، هذا الحديث الشريف في كتابه «
الإرشاد » بهذا النحو:
لمّا أراد رسول الله صلّي الله عليه وآله الخروج إلي غزوة تبوك استخلف
أمير المؤمنين عليه السلام مكانه علي المدينة المنوّرة، فأرجف منافقو
المدينة به عليه السلام. فلما بلغه إرجافهم به لحق بالنبيّ حتّي التحق
بموكبه الميمون، وقال له:
يَا رَسُولَ اللَهِ! إنَّ المُنَافِقِينَ يَزْعَمُونَ أَ نَّكَ إنَّمَا
خَلَّفْتَنِي مَقْتاً وَاسْتِثْقَالاً!
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: ارْجِعْ يَا أَخِي إلی مَكَانِكَ! فَإنَّ المَدِينَةَ
لاَ تَصْلَحُ إلاَّ بِي أَوْ بِكَ. فَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي
وَدَارِ هِجْرَتِي وَقَوْسِي![195]
أَمَا تَرْضَي أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَي، إلاَّ أَ
نَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي؟!
وعموماً
فقد استنبط رؤساء علماء الإماميّة رضوان الله عليهم أجمعين من هذا الحديث
الشريف، البرهان القاطع علي خلافة أمير المؤمنين عليه السلام؛ فهم
يقولون: إنّ جميع المنازل الهارونيّة ثابتة لامير المؤمنين عليه السلام
بمقتضي هذا الحديث المتواتر، بقرينة عموم المنزلة ووجود استثناء
النبوّة، ومن جملتها منزلة خلافته لموسي عليه السلام. لذا فإنّ لامير
المؤمنين هو الآخر حسب الميزان العامّ لهذا الحديث، الخلافة بلا فصل لمحمّد
صلوات الله عليه وآله كما في هَارُونَ لِمُوسَي.
حتّي يصل إلي قوله: وبعد اتّضاح هذه المقدِّمات نقول: باعتبار وجود
الرغبة في التشيّع في نفس الشيخ، فإنّ له في عبارته هذه نوعين من
البشارة من حديث المنزلة:
أُولاهما: أ نّه نصب في ظاهر العبارة إيهاماً، بحيث يمكن الإيهام
من ظاهر العبارة بأنّ القصد منها أن: حكمة الطائفة الإماميّة في
الكَلِمَةِ الهَارُونِيَّةِ وهي حديث المنزلة ولفظ «اخْلُفْنِي».
وثانيهما: من أجل مخالفة علماء الجماعة في عقيدتهم في إنكارهم
الخلافة الهارونيّة، فقد أورد في عبارته المقام الهارونيّ صريحاً بلفظ
«الإمامة» ولم يبالِ بمخالفة تلك الجماعة.
وكذلك يروي القاضي التستريّ في ترجمة سلمان الفارسيّ هذه العبارة
عن « الفتوحات » دليلاً علي حسن طويّة الشيخ:
هَذَا شَهَادَةٌ مِنَ النَّبِيِّ لِسَلْمَانَ الفَارِسِيِّ بِالطَّهَارَةِ
وَحِفْظِ الآلِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَهِ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ
البَيْتِ؛ وَشَهِدَ اللَهُ لَهُمْ بِالتَّطْهِيرِ وَذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ.
وَإذَا كَانَ لاَ يُضَافُ إلَيْهِمْ إلاَّ مُطَهَّرٌ مُقَدَّسٌ وَحَصَلَتْ لَهُ
العِنَايَةُ الإلَهِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الإضَافَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِأَهْلِ البَيْتِ
فِي نُفُوسِهِمْ وَهُمُ المُطَهَّرُونَ بَلْ عَيْنُ الطَّهَارَةِ؟!
[196]
وعموماً فعلي الرغم من صعوبة إثبات تشيّعه بأمثال هذه العبارات
مع وجود كلمات متضافرة أُخري ترجّح سنّيّته، ولكن بعد ملاحظة تضاعيف هذه
العبارات التي ملئت بها دفاتره وتصانيفه، فإنّ اليقين العاديّ يحصل بأنّ
ضميره قد مُلي سروراً وبهجة بمحبّة تلك الارواح المقدّسة، وأنّ قلبه
السليم قد اكتسب النور من مشكاة أنوارهم الطاهرة؛ حيث اعتبر جماعة أنّ
مناقب الائمّة الاثني عشريّة هذه كانت من نتائج فكره وخاطره
[197]، وأنّ ذلك التصنيف الشريف آية محكمة علي سلامة
طويّته، وعدّوه برهاناً أعظم علي قوّة إيمانه.[198]
ثمّ يتوسّع شارح « المناقب » هنا في المطلب، فيورد شرحاً مفصّلاً لاحوال
السالكين في البدايات والنهايات، حتّي يصل إلي قوله:
وكما يقول محيي الدين نفسه في الفصّ الداوديّ:
وَلِلَّهِ فِي الاَرْضِ خَلاَئِفُ عَنِ اللَهِ هُمُ الرُّسُلُ، وَأَمَّا
الخِلاَفَةُ اليَوْمَ، فَعَنِ الرُّسُلِ لاَ عَنِ اللَهِ، فَإنَّهُمْ لاَ
يَحْكِمُونَ إلاَّ بِمَا شَرَعَ لَهُمُ الرَّسُولُ وَلاَ يَخْرُجُونَ عَنْ ذَلِكَ.
غَيْرَ أَنَّ هُنَا دَقِيقَةً لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ أَمْثَالُنَا وَذَلِكَ فِي
أَخذِ مَا يَحْكِمُونَ بِهِ عَمَّا هُوَ شَرْعٌ لِلرَّسُولِ.
فَقَدْ يَظْهَرُ مِنَ الخَلِيفَةِ مَا يُخَالِفُ حَدِيثاً مَا مِنَ الحُكْمِ
فَيُتَخَيَّلُ أَ نَّهُ مِنَ الاجْتِهَادِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإنَّمَا هَذَا
الإمَامُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْ جَهَةِ الكَشْفِ ذَلِكَ الخَبَرُ عَنِ
النَّبِيِّ، وَلَوْ ثَبَتَ لَحَكَمَ بِهِ؛ وَإنْ كَانَ الطَّرِيقُ فِيهِ العَدْلَ
عَنِ العَدْلِ، فَمَا هُوَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الوَهْمِ وَلاَ مِنَ النَّقْلِ عَلَي
المَعْنَي؛ فَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ مِنَ الخَلِيفَةِ اليَوْمَ.
ويقول
أيضاً في الفصّ الإسحاقيّ:
فَمَنْ شَهِدَ الاَمْرَ الَّذِي قَدْ شَهِدْتُهُ يَقُولُ بِقَولِي فِي
خِفَاءٍ وَإعْلاَنِ
وَلاَ تَلْتَفِتْ قَوْلاً يُخَالِفُ قَوْلَنَا وَلاَ تَبْذُرِ السَّمْرَاءَ
[199]
فِي أَرْضِ عُمْيَانِ[200]
كما ذكر صدر الحكماء والمتأ لّهين صدر الدين الشيرازيّ حاصل هذا التقرير في
موارد متعدّدة، من جملتها قوله في كتاب « المفاتيح »:
فَالوَاجِبُ عَلَي الطَّالِبِ المُسْتَرْشِدِ اتِّبَاعُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ
فِيالعِبَادَاتِ وَمُتَابَعَةُ الاَوْلِيَاءِ فِي السَّيْرِ وَالسُّلُوكِ،
لِيَفْتَحَ لَهُ أَبْوَابُ الغَيْبِ.
وَعِنْدَ هَذَا الفَتْحِ يَجِبُ لَهُ العَمَلُ بِمُقْتَضَي عِلْمِ الظَّاهِرِ
وَالبَاطِنِ مَهْمَا أَمْكَنَ. وَإنْ لَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَمَا
دَامَ لَمْ يَكُنْ مَغْلُوباً لِحُكْمِ الوَارِدَةِ وَالحَالِ أَيْضاً يَجِبُ
عَلَیهِ اتِّبَاعُ العِلْمِ الظَّاهِرِ، وَإنْ كَانَ مَغْلُوباً لِحَالِهِ بِحَيْثُ
يَخْرُجُ عَنْ مَقَامِ التَّكْلِيفِ فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَي حَالِهِ، لِكَوْنِهِ
فِي حُكْمِ المَجْذُوبِينَ.[201]
وَكَذَلِكَ العُلَمَاءُ الرَّاسِخونَ؛ فَإنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُتابِعونَ
لِلْفُقَهَاءِ المُجْتَهِدِينَ، وَأَمَّا فِي البَاطِنِ فَلاَ يَلْزَمُ لَهُمُ
الاِتِّبَاعُ، لِشُهُودِهِمُ الاَمْرَ عَلَي مَا فِي نَفْسِهِ.
فَإذَا كَانَ إجْمَاعُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ فِي أَمْرٍ مُخَالِفَ مُقْتَضَي
الكَشْفِ الصَّحِيحِ المُوَافِقِ لِلْكَشْفِ الصَّرِيحِ النَّبَوِيِّ وَالفَتْحِ
المُصْطَفَوَيِّ، لاَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَیهِمْ.
فَلَوْ خَالَفَ فِي عَمَلِ نَفْسِهِ مَن لَهُ المُشَاهَدَةُ وَالكَشْفُ إجْمَاعَ
مَن لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ مَلُوماً فِي المُخَالَفَةِ وَلاَ خَارِجاً
عَنِ الشَّرِيعَةِ، لاَِخْذِهِ ذَلِكَ عَنْ بَاطِنِ الرَّسُولِ وَبَاطِنِ الكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ انتَهَي.
لكنّ
بلوغ هذه المرتبة لا يحصل إلاّ للنادر من العرفاء والاوحديّ من الناس، كما
يقول الشيخ الرئيس حسين بن عبد الله بن سينا:
ز منزلات هوس گر برون نهي گامي نزول در حرم كبريا
تواني كرد
وليك اين عمل رهروان چالاك است تو نازنين
جهاني كجا تواني كرد
[202]
وعلي العموم فلانّ من كانوا بهذه الكيفيّة يعدّون أنفسهم من أصحاب
مقامات المكاشفة، فإنّهم يجعلون جميع أحكامهم وفق مشاهداتهم الشخصيّة. لذا
فإنّ بعض المتتبّعين لكتبهم، يجد فيها جملة من أحكام هؤلاء الاشخاص توافق
قواعد الشيعة فيحكم بتشيّعهم، بينما يجد البعض الآخر أحكاماً أُخري توافق
قوانين أهل الجماعة فيعدّهم من أتباع علماء السنّة وجماعتهم؛ كما يري
البعض اختلاف مدارك هذه الاحكام ويجد بعض تلك الاحكام موافقاً لرأي
السنّة وبعضها موافقاً لرأي الشيعة، لكنّه لم يطّلع علي علّة ومنشأ تلك
الاختلافات، لذلك نراه ينسب لهؤلاء الاشخاص التجرّد والتردّد في المذهب
وعدم الاستقلال في رأي واحد.
[203]
وقد نقل شارح « المناقب » عن السيّد الاُستاذ الميرزا أبي الحسن جلوه
قوله: إنّ من بين الاشخاص الذين كانت لهم المبادرة البليغة في باب
تشيّع الشيخ، القاضي السيّد القمّيّ، فقد أورد فيكتابه « شرح
الاربعين » كلمات صريحة في تشيّع الشيخ التقطها من كتاب « الفتوحات
المكّيّة » فأدرجها هناك.
[204]
أقول: أورد محيي الدين في «فصوص الحكم» الفصّ الداوديّ، عبارة
مفادها عدم نصّ رسول الله علي خلافة أحد من بعده، يقول:
وَكَذَلِكَ أَخْذُ الخَلِيفَةِ عَنِ اللَهِ عَيْنُ ما أخَذَهُ مِنْهُ
الرَّسُولُ. فَنَقُولُ فِيهِ بِلِسانِ الكَشْفِ: خَلِيفَةُ اللَهِ، وَبِلِسَانِ
الظَّاهِرِ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَهِ.
وَلِهَذَا مَاتَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَمَا
نَصَّ بِخِلاَفَتِهِ عَنهُ إلی أَحَدٍ وَلاَ عَيَّنَهُ، لِعِلْمِهِ أَنَّ فِي
أُمَّتِهِ مَن يَأْخُذُ الخِلاَفَةَ عَن رَبِّهِ، فَيَكُونُ خَلِيفَةً عَنِ
اللَهِ مَعَ المُوَافَقَةِ فِي الحُكْمِ المَشْرُوعِ. فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ
رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْجُرِ[205]
الاَمْرَ
[206].
ويجيب القائد المُعظَّم للثورة: آية الله الخمينيّ أعلي الله درجته في
تعليقاته علي « شرح فصوص الحكم » إجابة رائعة وجميلة علي هذا الكلام،
فيقول:
قَوْلُهُ: «وَمَا نَصَّ بِخِلاَفَتِهِ عَنُهُ»، الخِلاَفَةُ المَعْنَويَّةُ
الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ المُكَاشَفَةِ المَعْنَوِيَّةِ لِلْحَقَائِقِ
بِالاِطِّلاَعِ عَلَي عَالَمِ الاَسْمَاءِ أَوِ الاَعْيَانِ لاَ يَجِبُ النَّصُّ
عَلَیهَا، وَأَمَّا الخِلاَفَةُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي هِيَ مِن شُؤُونِ
الإنْبَاءِ وَالرِّسَالَةِ الَّتِي هِيَ تَحْتَ الاَسْمَاءِ الكَوْنِيَّةِ
فَهِيَ وَاجِبٌ إظْهَارُهَا. وَلِهَذَا نَصَّ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ
عَلَیهِ وَآلِهِ عَلَي الخُلَفَاءِ الظَّاهِرَةِ.
وَالخِلاَفَةُ الظَّاهِرَةُ كَالنُّبُوَّةِ تَكُونُ تَحْتَ الاَسْمَاءِ
الكَوْنِيَّةِ.
فَكَمَا يَكُونُ النُّبُوَّةُ مِنَ المَنَاصِبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِنْ
آثَارِهَا الاَوْلَوِيَّةِ عَلَي الاَنْفُسِ وَالاَمْوَالِ، فَكَذَا الخِلاَفَةُ
الظَّاهِرَةُ؛ وَالمَنْصَبُ الإلَهِيُّ أَمْرٌ خَفيٌّ عَلَي الخَلْقِ لاَبُدَّ
مِنْ إظْهَارِهِ بالتَّنْصِيصِ.
وَلَعَمْرُ الحَبِيبِ يَكُونُ التَّنْصِيصُ عَلَي الخِلاَفَةِ مِنْ أَعْظَمِ
الفَرَائِضِ عَلَي رَسُولِ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
فَإنَّ تَضْيِيعَ هَذَا الاَمْرِ الخَطِيرِ الَّذي بِتَضْيِيعِهِ يَتَشَتَّتُ
أَمْرُ الاُمَّةِ وَيَخْتَلُّ أَسَاسُ النُّبُوَّةِ وَيَضْمَحِلُّ آثَارُ
الشَّرِيعَةِ، مِنْ أَقْبَحِ القَبَائِحِ الَّتِي لاَ يَرْضَي أَحَدٌ أَنْ
يَنْسِبَهَا إلی أَوْسَطِ النَّاسِ فَضْلاً عَن نَبِيٍّ مُكَرَّمٍ وَرَسُولٍ
مُعَظَّمٍ. نَعُوذُ بِاللَهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا تَدَبَّرْ!
[207]
أقول: بالرغم من أنّ كتب محيي الدين مشحونة بمناقب أهل البيت
عليهم السلام، ككتاب «محاضرة الابرار ومسامرة الاخيار»، إلاّ أنّ أساس
مطالبه علي أُصول أهل السنّة، كمثل هذا الفصّ الداوديّ الذي ذكر، أمّا في
فتوحاته المكّيّة الذي أ لّفه في مكّة فليس فيه ما يوافق أُصول السنّة،
ثمّ هاجر إلي دمشق فأ لّف كتابه « فصوص الحكم » هناك.
يقول القاضي نور الله التستريّ: بسبب ظروف التقيّة الشديدة في الشام
والتي لم يجرأ أحد بسببها أن يتحدّث عن التشيّع، فقد أُجبر الشيخ علي
كتمان ولائه، وسار في كتبه علي نهج العامّة ونحوهم.
وقد ذكـر القاضي في كتاب « مجالـس المؤمنين » تـرجمة الشـيخ مفصّلاً، حتّي
يصل إلي قوله:
لقد قام السيّد محمّد نور بخش نوّر الله مرقده ـ وكان جامعاً للعلوم
الظاهريّة والباطنيّة بتزكية عقيدة الشيخ علي أكمل وجه، وقال في بعض
رسائله المشهورة: كان الشيخ محيي الدين معذوراً في كتمان حب آدم
الاولياء: عليّ المرتضي عليه السلام، وذلك لانّ المملكة كانت مرتع
المتعصّبين، وكان للشيخ أعداء كثيرون يقصدون قتله.
حتّي يقول: وقد اعترف الشيخ علاء الدولة السمنانيّ مع تصلّبه المعروف في
فقاهته بعظمة الشيخ، فخاطبه في كثير من حواشي « الفتوحات » بألفاظ:
أَيُّهَا الصَّدِيقُ، وَأَيُّهَا المُقَرَّبُ، وَأَيُّهَا الوَلِيُّ،
وَأَيُّهَا العَارِفُ الحَقَّانِيُّ،
لكنّه خطّأه في قوله بأنّ الحقّ تعالي وجود مطلق، وَلَيْسَ هَذَا أَوَّلُ
قَارُورَةٍ كُسِرَتْ فِي الإسْلاَمِ؛ فقد قام كذلك الكثير من علماء الشام
بتكفير الشيخ محيي الدين وتضليله.
ثمّ يتابع القاضي الشهيد المطلب حتّي يصل إلي القول:
وهذه التقيّة والخوف هي من أهل السنّة، فقد كانوا من شدّة تعصّبهم
وضلالتهم يحمون الكافر المحارب المتظاهر بالفسق ويرعونه ويساندونه، في حين
يصل الامر بهم مع الشيعيّ المتّقيّ إلي القتل والإحراق، حتّي وصل الامر
في ولاية الشام ومحلّ الحكم المشؤوم لبني أُميّة وأتباعهم ومقلّديهم وفي
بلاد ما وراء النهر التي فتحت في زمن أُولئك الفراعنة ووصلت الاحكام
المبتدعة والعادات المخترعة لاُولئك القوم؛ بحيث لو قال كافر هناك: إنّ
محمّداً ليس رسول الله لما تعرّضوا له بسوء، أمّا لو قال مسلم: عليّ
وليُّ الله لنسبوه إلي الرفض ولصار في معرض القتل والإحراق من
قِبَلهم، حتّي صاروا يلقِّبون بهاء الدين نَقْشْبَنْد الذي ادّعي
كذباً وتلفيقاً أ نّه « شيخ » باسم وليّ الله، وصاروا يستمدّون البركات من
باطنه القاتم المظلم.
ويؤيِّد ذلك ما أورده أبو بكر البيهقيّ في كتابه الذي أ لّفه في
مناقب الشافعيّ، قال فيه: قيل للإمام الشافعيّ: إنّ الجماعة لا يصبرون
علي سماع صفة أو فضيلة تذكرها في شأن أهل البيت، فهم كلّما سمعوا شخصاً
يذكر من هذه المقولة شيئاً قالوا: دعوا هذا فهو حديث الروافض! فأنشأ الإمام
الشافعي آنذاك هذه الابيات:
إذَا مَا فِي مَجْلِسٍ نَذْكُرْ عَلِيًّا وَسِبْطَيْهِ وَفاطِمَةَ
الزَّكِيَّةْ
يُقَالُ: تَجَاوَزُوا يَا قَوْمِ هَذَا فَهَذَا مِنْ حَديثِ الرَّافِضِيَّةْ
بَرِئْتُ إلی المُهَيْمِنِ مِنْ أُنَاسِ يَرَوْنَ الرَّفْضَ حُبَّ الفَاطِمِيَّةْ
ويؤيّد
ذلك أ نّه لو بادر أحد في بلادهم إلي الزنا واللواط التي لا تحلّها أيّة
شريعة لما تعرّضوا له، لكنّه لو أقدم علي نكاح المتعة التي أحلّها الله
ورسوله، وحكم عمر بحرمتها خِلاَفاً عَلَي اللَهِ وَرَسُولِهِ لعدّوا
فعله ذلك رفضاً لاتّباع الله ورسوله وأهل بيته، ولسعوا في قتله.
وقد أورد الشيخ محمّد بن أبي جمهور في بعض مؤلّفاته أنّ شخصاً من أهل
السنّة في دمشق كان له جارة أرملة، فكان يري رجلاً غريباً يتردّد علي
بيتها كلّ يوم، فسأله: ما علّة مجيئك إلي بيت هذه المرأة؟
قال: تزوّجتها بنكاح المتعة. فلمّا سمع ذلك السنّيّ قوله استبدت به
عصبيّته، فأمسكه وجرّه من شعر رأسه إلي السوق منادياً:
تعالوا أيّها المسلمون! فلقد أمسكت رافضيّاً مستحلاّ للمتعة!
فاجتمع عليه خلق كثير من السنّة من كلّ صوب، وجرّوا ذلك الغريب المسكين
إلي القاضي. فسأل القاضي:
ما بالكم مع هذا الرجل الغريب؟!
قالوا: يقول: تمتّعت بجارة فلان.
فنهض أحد نوّاب القاضي ـ وكان يخفي تشيّعه وقال للقاضي: ائذن لي
باستجواب هذا الرجل علي انفراد! فأذن له القاضي.
فخلي به ذلك النائب، وقال له: إن أردت نجاتك فعليك أن تقول أمام
القاضي: لقد زنيت.
ثمّ عاد إلي القاضي، فقال: هذا الرجل الغريب مظلوم، فهو يقول غير ما يقوله
هؤلاء الجماعة.
فاستفسـر القاضي عن الامـر من الرجل، فاعتـرف بالزنا كما علّمه النائب،
فأطلق القاضي سراحه وكفّ عنه أُولئك الذين جاؤوا به معتذرين بقولهم: لقد
سمعناه يقول: تمتّعت، ولو قال: زنيت، لما تعرّضنا له.
ثمّ تفرّق ذلك الجمع ونجا ذلك الرجل الغريب من شرّهم باعترافه بالزنا!
وللّه در القائل:
زناؤُكُم تَعْفُونَ عَنْهَا وَمَنْ أَتَي إلَيْكُمْ مِنَ
المُسْتَمْتِعِينَ قَتَلْتُمُ
وسمع
من بعض الثقات أ نّه حدث في بداية حكم الملك الغازيّ السلطان جلال
الدين محمّد أكبر أن قام مخدوم الملك الهنديّ، وكان قبل ذلك مخدوماً لابن
مروان الحمار، بإصدار فتوي بقتل آحاد الشيعة من ملازمي ذلك الملك، فقتل
علي إثر ذلك المير حبشي تربتي و الميرزا مقيم الهرويّ. لذا فقد
أُصيب الملاّ غزالي المشهديّ بالخوف والاضطراب من مشاهدة تلك
الحال، فلجأ إلي الملاّ قاسم الكاهيّ المشهور وكان صوفيّاً ملامتيّاً[208]،
وكانت طائفة جغتاي يتابعونه، فشرح له الامر وسأله تدبيراً لخلاصه.
فقال مولانا قاسم: التدبير أن تتظاهر مثلي بالإلحاد لتكون في أمان من أذي
هذه الطائفة!
[209]
مطالعة السيّد كتاب
«الفتوحات المكّيّة» لمحيي الدين بن عربي
ومن بين
المطالب الواردة في « الفتوحات » والتي أعجبت سماحة الحاجّ السيّد هاشم،
عبارته في الباب 366، في شأن إمام الزمان عجّل الله تعالي فرجه الشريف.
فكان السيّد يقرأ هذه العبارة مراراً، ويورد من كلّ فقرة من فقراتها دليلاً
علي سلامة طويّة الشيخ. ولمزيد من الاطّلاع نورد هنا تلك العبارة، حسب
نقل شيخ الفقهاء والمتكلِّمين بهاء الملّة والدين الشيخ بهاء الدين
العامليّ أعلي الله مقامه في كتابه « الاربعين » في خاتمة الحديث السادس
والثلاثين، ذلك لا نّه هو أيضاً قد تفطّن من كنايات تلك العبارة إلي
تشيّعه. وعين عبارة الشيخ بهاء الدين هي:
نقل الشيخ
البهائيّ لعبارة محيي الدين في «الفتوحات المكّيّة»
دليل
المحدِّث النيسابوريّ علي تشيّع محيي الدين
الزلّة، ومع ذلك عاتبه سبحانه علي اتّباعه رأيه بقوله جلّ وعلا:
يَـ'أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ، إذاً في هذه الحالة لا يجوز لاحد
العمل بالقياس الذي هو في الواقع رأي بلا دليل ».
[182]
بيان الملاّ
السيّد صالح الموسويّ الخلخاليّ بشأن محيي الدين
الدلائل التي
ذكرها العلماء علي تشيّع محيي الدين بن عربي
دلالة «فصّ
حكمة إماميّة في كلمة هارونيّة» علي تشيّع محيي الدين
دلالة عبارة
محيي الدين في الفصّ الهارونيّ علي حديث المنزلة
مطالب محيي
الدين في الفصّين الداوديّ والإسحاقيّ
ردّ القائد
العظيم للثورة علي الفصّ الداوديّ من «فصوص الحكم»
العامّة
يقتلون الشيعة بتهمة الرفض ويدعون الكفّار والملحدين
.
.
الجمعة, 20 يونيو, 2008

